ملامح الوسطية التي ندعو إليها

لم أكن متأثرا بالفكر الوسطي فترة طفولتي، ولعل ذلك يعود إلى البيئة الإجتماعية التي أحاطت بي، كنت مستمعا للمدرستين السلفية التي حصرت الإسلام على المسائل العقدية والصوفية التي اقتصرت على الشعائر التعبدية.

لقد عشت تلك الفترة باحثا عن حقيقة الوسطية في الإسلام وفهمها الشامل، ولم أجدها إلا حين التحقت بمدرسة الأقصي الإبتدائية، كانت هناك بداية ارتباطي بالفكر الوسطي من العلماء الوسطيين المرموقين من خلال دروسهم وكتبهم.

لقد سعدت بكثير حين نهلت من فيض أفكار المفكرين الذين كانوا وما زالوا النموذج الفكر الوسطي وفي مقدمتهم الإمام يوسف القرضاوي الذي كتب للبشرية الرسائل الصادقة التي تتضمن التصور الفكر الوسطي حتى أصبح الشيخ إمام الوسطية والتجديد في العصر الحديث.

في ذلك الوقت تعلمت في العمق من خلال كتب العلماء الوسطيين أن الأمّة الإسلاميّة تميزت عن غيرها من الأمم بأنّها أمة الوسطية والاعتدال وأنها بعيدة عن الانحراف أو التّطرف أو الغلو والتساهل قال تعالى {وكذلك جعلنكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيداً}، الوسّطية التي نهجناها لها معالم منها الفهم الشمولي المتكامل للإسلام، والإيمان بالقرآن الكريم والسنة النبوية مرجعا ومصدرا للتشريع والتوجيه، وترسيخ المعاني والقيّم الرَّبانية والمكارم الأخلاقية والإنسانية.

وعلَّمتنا الوسّطية أن الإسلام يوازن بين حمل الهموم العالمية بأنَّها رسالة عالمية وبين الهموم المحلية، فالوسطية تجمع بين الروحية والمادية، وبين الواقعية والمثالية وبين فهم الحاضر والإستعداد للمستقبل ، وفي المجال الروحي الإسلام وسط بين التساهل في  العبادات وبين اهتمام الشوؤن الدنيوية علي حساب الأخروية.

وفي المجال السياسي يكون الإسلام وسطاً ليوازن الفردية والجماعية وليعطي لكل منهم حقه ولينبه الدولة بإعداد القوة الكافية لحماية بيضة الإسلام بقوله تعالي {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}.

وفي المجال الإقتصادي، الإسلام حرض المسلمين على العمل والزراعة والتجارة وغيرها من مصادر الإقتصاد، الاسلام جاء ليربي الإنسان العمل والاحتراف لنفسه والكسب لقوت يومه، وعند كسب المال قدم الاسلام منهجا وسطا ببن الإقتار والإسراف بقول المولي عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}
{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}.

ندعوا لجميع البشربة بصفة عامة وجميع ابناء الصومال بصفة خاصة إلى التمسك بالوسطية التي معناها ما كان بين طرفي الإفراط والتفريط، فنحن أمة معتدلة في سلوكياتها ومنهجها وعقيدتها التي ترتكز على العدل والعدالة , فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء، {وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم من سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.

فالصراط المستقيم هو المعتدل الوسط الذي ليس فيه انحراف وهو بعيد عن الغلو والتعصب والتشدد، فأحب الأعمال إلى الله أوسطها، فالحركة والسعي والاستقامة والعدل والتوازن ينسجم مع المنهج الرباني الذي دعى إليه رب العزة، فالتوازن بين العقل والنقل وبين الفكر والوجدان وبين القدرة والمشيئة الإلهية المطلقة والمشيئة الإنسانية المحدودة ، وبين عبودية الإنسان لله والتكريم الإلهي له كلها توضح مفهوم الوسطية.

ورسولنا الكريم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما في الحديث “يسروا ولا تعسروا” ، و”درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، فالرحمة والتيسير والتسامح وإعطاء كل ذي حق حقه هو المنهج الذي ندعوا الناس اليه بدون تردد.

وأخيرا أحببت أن أقدم للقراء المعنى الشامل اللوسطية كما عرّفه الإمام يوسف القرضاوي وهي :- ” أننا نريد الإسلام منهجا مرتبطا بالزمان والمكان والإنسان، موصولا بالواقع ، مشروحا بلغة العصر ، منفتحا على الإجتهاد والتجديد، جامعا بين النقل الصحيح والعقل الصريح، محافظا في الأهداف والغايات، متطورا في الوسائل والآليات، ميسرا في الفتوى، مبشرا في الدعوة، مرحبا بكل قديم نافع، منتفعا بكل جديد صالح ، مستلهما للماضي ، معايشا للحاضر، مستشرفا للمستقبل ، منفتحا للحضارات بلا ذوبان ، مراعيا للخصوصية بلا انغلاق ، مرتبطا بالأصل ، ومتصلا بالعصر ، ملتمسا الحكمة من أي وعاء خرجت”.

عن حسن محمد عبدالله الخطيب

حسن محمد عبدالله الخطيب
كاتب ومحلل سياسي وناشط اجتماعي