ورقة بحثية بعنوان: “الدّولة الصّومالية ودورها في حماية الدين”

المحاور الرئيسية في الورقة:

  • تعريف الدولة
  • تعريف حماية الدين وأهميتها
  • آليات وأساليب حماية الدين
  • ادور المؤسسات الحكومية في حماية الدين
  • التوصيات والمقترحات للحكومة الصومالية

أعدّها/  الباحث عبد العزيز أحمد الجدفي:

تعريف الدولة:

تُعرّف الدولة بأنها شعب مستقر على إقليم معين ، وخاضع لسلطة سياسية معينة ، وهذا التعريف يتفق عليه أكثر القانونيين لأنه يحتوي العناصر الرئيسة التي لا بد لقيام أي دولة منها ، وهي الشعب ، والإقليم، والسلطة.

أركان الدولة:

وتقوم الدولة على ثلاثة أركان هي :

1 – الشعب:

لا يتصور وجود دولة دون وجود مجموعة من البشر ، ولا بد أن ينشأ لدى هذه المجموعة  إحساس بضرورة إشباع حاجات شتى ، والتعاون على أداء المناشط المطلوبة لإشباع هذه الحاجات ، ويتكون شعب أي دولة من وطنيين يتمتعون بجنسية الدولة، وتربطهم بها رابطة الولاء ، وأجانب يوجدون على إقليم الدولة لا تربطهم بها سوى رابطة التوطن أو الإقامة حسب الأحوال .

2 – الإقليم:

إذا وجد الشعب فلا بد له من الاستقرار على إقليم ما ، يكون مستقرا للشعب ومصدرا رئيسا لثروة الدولة ، وإقليم الدولة هو ذلك الجزء من الكرة الأرضية الذي تباشر الدولة عليه سلطانها ، ولا يمارس عليه سلطان غير سلطانها .

ويتكوّن إقليم الدولة من ثلاثة أجزاء، 1) جزء أرضي ، وهو الجزء اليابس الذي تعينه حدود الدولة، ويستعمل سطح الأرض وما دونه من طبقات إلى ما لا نهاية، وما فوق ذلك السطح من مرتفعات كالجبال والهضاب، 2) وجزء مائي ويشمل المياه الموجودة داخل حدود الدولة من أنهار وبحيرات ونصيب من البحار العامة الملاصقة لإقليم الدولة ، وتسمى المياه الإقليمية ، 3) وجزء هوائي ويشمل طبقات الهواء فوق الإقليمين الأرضي والمائي حسب ما هو محدد في أحكام القانون الدولي العام، وقد يكون إقليم الدولة متصلا بشكل واحد وهو الغالب، أو منفصلا كالباكستان سابقا عندما كانت تنقسم إلى قسمين شرقي وغربي ولم تكونا متصلين برّيّا، حتى انفصلت باكستان الشرقية وأصبحت دولة مستقلة تسمى بنجلادش، فظل اسم باكستان يطلق على باكستان الغربية .

3 – السلطة:

لا يكفي لقيام الدولة وجود شعب معين على إقليم معين ، فلا بد من قيام حكومة تباشر السلطات باسم الدولة ، وركن الحكومة أو السلطة هو الذي يميز الدولة عن الأمة ، فالأمة تتفق مع الدولة في ركني الشعب والإقليم ، ولكنها تختلف عنهما في ركن السلطة السياسية ، وإذا ما تيسر لأمة ما أن تقيم حكومة تخضع لسلطانها فإنها تصبح دولة . ويلحق بركن السلطة ركن آخر هو السيادة ، وهو مثار لجدل بين فقهاء القانون حيث اختلفوا في ذلك على رأيين ، الرأي الأول ويمثل النظرية الفرنسية ، وتقول بوجوب وجود السيادة ، وأنه لا يمكن قيام دولة ليست ذات سيادة ، أي أن الجماعة لا تستحق وصف الدولة ، إلا إذا كانت تتمتع بالسيادة أي بالسلطة غير المقيدة في الخارج والداخل .

والرأي الثاني، ويمثل النظرية الألمانية، حيث لا تشترط لقيام الدولة أن توجد حكومة ذات سيادة ، ومقتضى هذه النظرية ، أن العبرة في قيام الدولة هي بوجود الحكومة التي تملك سلطة إصداره أوامر ملزمة في قدر معين من الشؤون المتصلة بالحكم ، ولو لم تكن لها السيادة بالمعنى المطلق في تلك الشؤون كافة.[1]

مفهوم حماية الدين:

يأتي  مصطلح حماية الملة والدين، شاملا للعبادات والمعاملات والأخلاق، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالجماعة، ومن تأصيل هذه الحماية الواجبة ما جاء في قوله تعالى من سورة الشورى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾، قال الطبري: “أقيموا الدين، اعملوا به، وهي وصية واحدة لجميع الأنبياء، وقال الرازي:”إقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق.” قال القرطبي في جامع أحكام القرآن:”معنى أقيموا الدين، اجعلوا الدين قائما، أي مستمرا محفوظا من غير خلاف فيه ولا اضطراب”، ووافقه على تفسيره أبو حيان، وزاد أبو السعود بأن قال:”إقامة الدين تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ، والمواظبة عليه والتشمر له”.

تؤصل هذه الشروح ضرورة “حماية الملة والدين” بمعنى أن الرسول قد أدي رسالته بتبليغ الدين، في استمرارية لما أمر الله به الرسل من قبله، فعلى من جاءوا بعده من نوابه من أئمة المسلمين أن يظلوا على هذه الاستمرارية، بأن يتبعوا الرسول في الحرص على ما تقتضيه تلك الحماية، فالأديان التي وصى الله الأنبياء الأولين بحمايتها قد أصابها الفتور والتغيير، ودين خاتمة النبوات لابد أن تدوم حمايته، فهو دين الذكر المنزل والذكر المحفوظ. ويدل النهي عن التفرق فيه  على أن الدين المطلوب هنا يشمل الأمر السياسي الجامع للأمة على أساس مرجعية الدين، ومصطلح “حماية” في المفهوم الحقوقي الحديث يشمل الحفظ والضمانةProtection وGarantie.

آليات وأساليب حماية الدين:

  • آلية حفظ الدين بالدفاع عن الأرض:

إن الأرض أولُ مقومات حياة الدين، والدفاع عنها بالجيش أعظم الجهاد، ولذلك استعمل المسلمون عبارة “حماية بيضة الدين”، وتحدثوا منذ قرونهم الأولى عن الثغور، وهي المواقع التي على الحدود، وعما يجب أن يقام فيها من ترتيب الدفاع، بالاستناد إلى التوجيه القرآني في الربط والمرابطة.وفي الحديث أن أحب الأعمال إلى الله:”الصلاة على وقتها”. ثم “بر الوالدين” ثم “الجهاد في سبيل الله”. قال شراح هذا الحديث: الصلاة تربي المجتمع والجهاد يحميه من العدو الخارجي.

  • آلية حفظ الدين بحفظ النفس:

يُعتبر حفظ حياة الإنسان من القتل والعدوان، أبرز الشروط وأقدسها من منظور حماية الدين، وتتحقق حماية الأنفس في الداخل بالشرطة، وهي من النظمِ الأولى في الإسلام، ووُصفت بأنها الجند الذين يعتمد عليهم ولي الأمر والوالي في استتباب الأمن وحفظ النظام، وتفيد تسميتها بالشرطة أنها النخبة المختارة، ومهمتها حمايةُ الأرواح وضمان السكينة اللازمةِ للتعبد والمعاملات، وقد امتن الله على قريش بأن آمنهم من خوف، لأن الخوف يلغي الحرية، ولا تدين مع الخوف أو الإكراه.

  • آلية حفظ الدين بحفظ العقل:

إذا كانت الحرية ضرورية لمنطق الدين، فإن العقل ضروري لقيام الحرية، والمقصود بالعقل قدرة قوم على الوعي بما فيه صلاحهم، وهو ما يتجلى في الاحتكام إلى نظام مرجعي عام متوافق عليه يجلب المصالح ويحفظ السكينة، وأكبر ما يتهدد العقلَ اتباعُ الهوى، هوى الأطماع والعصبيات، وفي مقابل الهوى يتحدث اليوم عن النزاهة و”الموضوعية”، صفة لحالة اتباع العقل، ولذلك توجه الخطاب القرآني كثيرا إلى أولي الألباب بصيغة الجمع، ونبه إلى عواقب عدم استعمال العقل بأسلوب التعجب الذي فيه الإنكار والتوبيخ في مثل قوله تعالى مرات عديدة: ﴿أفلا تعقلون﴾، فالأمر في موضوع العقل، لا يتعلق بالصحة العقلية للفرد، بقدر ما يتعلق بالتوازن المعنوي الذي تدرك فيه الجماعة مصلحتها العامة، فهو على هذا الأساس شرط للمعروف، ويزداد المقصود اتضاحا إذا اقتنعنا بأن العقلاء إنما تقع عليهم مسؤوليةُ الدين لأنهم هم المفروض فيهم أن يجدوا لكل المشاكل حلولا لا تترك للفتنة مجالا، والله يقول: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾.

  • آلية حفظ الدين بحفظ الصحة:

يرتبط حفظ الدين بحفظ الصحة لأن سلامة البدن شرط في الاستطاعة المرهونةِ بها عددٌ من العبادات والتكاليف، ولأن عددا من الضرورات الشرعية لا تكتمل إلا بحفظ الأبدان، وحماية الصحة يدخل في تحقيق التكريم الذي تفضل الله به على الإنسان، فالله تعالى قال في حق النفس: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا﴾، وصورة الجماعة في السنة كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، والشكوى من المرض السياسي أو الاجتماعي أو الخلقي الذي يتبادر إلى الذهن بصدد الحديث المذكور.

  • حفظ الدين بتيسير العبادات:

يغلب على تصور الناس كما ذكرنا،أن العبادات، وهي الأركان الخمسة على الخصوص، هي كل الدين أو معظمه، والواقع أنها حقوق الله التي تتحقق بها كثير من حقوق الفرد الذي يؤديها، وكثير من حقوق جماعته الصغرى والأكبرِ منها، وحيث إنها صلة مباشرة بين المؤمن وربه، وحيث إنها وسيلة وغاية في ذات الوقت، فإن تيسير أدائها بصورها، هو بحق من أولى ما يضمن به الإمام المبايع حماية الدين، ولا نحتاج إلى الوقوف عند لوازم القيام بالأركان، كما لا نحتاج إلى تعداد الإنجازات المتوالية لأمير المؤمنين في هذا المجال، وإنما نشير إلى أننا ذكرناها في المقام الخامس لأن ما قبلها شروط لقيامها.

  • آلية حفظ الدين بتمكين مشيخة العلماء من القيام بأدوارها في التبليغ والإشهاد والإفتاء والإرشاد

إن الدين في الإسلام إيمان وعلم، والإمامة العظمى تستعين بطائفة متفقهة في الدين، بالرجوع إلى قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).

فرسالةُ هذه الطائفة تبليغُ الدين وتعليمُ أحكامه، وتوعيةُ الناس بأن الحفاظ على الأمة يحتاج إلى وعي سياسي كبير للتمييز بين الحق والباطل، وهو ما تفيده في الآية المذكورة كلمةُ “يحذرون”، وقد تبلورت هذه الطائفة عبر التاريخ في ما سمي بمشيخة العلماء، وقد أحييتموها ونظمتموها يا مولاي في المجلس العلمي الأعلى، والعلماء يقومون في إطاره بدورهم التربوي الكامل. مبينين للناس بأن أن الإرهاب ليس له دليل في الدين وأن الجهاد في الشريعة له ضوابطه وقواعده وأحكامه.

  • آلية حفظ الدين بالتعليم:

إن أولوية التعليم من منظور الدين قد قررتها بداية الوحي بكلمة “اقرأ”، كما يؤكدها ما في الجهل من خطر عظيم على الدين والمتدينين، وينبغي أن يفهم من التعليم هنا، تعليم جميع العلوم والمهارات التي تعين على الإيمان والتدبر والمعاش وجودة الحياة والعزة المادية والمعنوية للأمة. ولابد من التوقف عند منهج الصحيح للتعليم للحيلولة دون التعليم الذي يحمل في طياته  بعض اشكال التحريف والتأويل والانتحال.

  • حماية الدين بالإعلام:

المصطلح القرآني الذي يقابل ما يسمى اليوم بالإعلام هو التبليغ، ومما جاء فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، وإذا كان العلماء هم المرشحون لمهمة التبليغ، فإن أمرين أساسيين مرهونان بإمام الأمة:

أولهما: حرصه على أن يجري التبليغ بما يناسب مقاصد الدين، سيما وأن مجال الإعلام الديني مجال يزدحم عليه طلاب الزعامة باسم الدين، وتُستغل فيه الحرية في هذا العصر للتشويش على الناس، إما بالتحريض على مفارقة الجماعة، وإما بتضخيم الخلاف الجزئي للاحتيال على العامة، ولو توفر الورع وسلمت القلوب لوجب أن يبادر كل صاحب علم للإسهام في التبليغ في صف علماء الأمة.

والأمر الثاني هو توفير وسائل العمل للمكلفين بالتبليغ، وذلك ببعث حيوية متجددة في منابر المساجد، وبتوفير فرص غالية لمعرفة  أحكام الدين وفضائله بواسطة الإعلام السمعي البصري.

  • آلية حفظ الدين بالشورى وبذل المناصحة

إذا كان قيام النظام السياسي ضروريا للدين والدنيا، فقد شهد التاريخ أنه ظل مهددا بالاستبداد المنافي للشرائع القائمة على المرحمة والإنصاف. وأصل هذه الحماية في القرآن واجبان مركزيان، هما الشورى والنصيحة، ولهما اليوم تجليات في شكل مجالس منتخبة من كل الناس بالتساوي، والمفروض أن ينتخب الأفضل، ولكن الأفضلية حكم قيمة لا تحل إشكاله إلا الإرادة المعبر عنها بالانتخاب، ومن الطريف أن نلاحظ أن كلمة  Conseil، أي المجلس أو الهيئة، في اللغة الأجنبية، لها في نفس الوقت معنى النصيحة، وهكذا فإن تنظيم النصيحة والشورى على هذا المنوال الحديث واجب ديني بحكم مقاصده.

  • حفظ الدين بتحقيق العدل:

يمكن القول إن الدين يشمل العدل في معناه الواسع، لأن عمل الإنسان كما رأينا، يدخل في الحقوق، إما إزاء الله وإما إزاء النفس وإما إزاء الغير، والإسلام يشمل هذه الأصناف ويرتبها، فنهى عن معصية الله واعتبرها ظلما، ونهى عن ظلم النفس كما نهى عن ظلم الآخرين، وحماية الدين على يد الرؤساء بإقامة العدل تكون أولا بإتاحة شروطه وتهيئة بيئته، سيما وأن النظر إلى العدل قد توسع إلى أبعاد منها البعد الاجتماعي، ونظرية العدل ليست من البساطة بمكان.

  • حفظ الدين بحفظ العرض:

وتدخل فيه الأمور التي تهم كرامة الإنسان، بعضها يتعلق بالحصول على القدر الأدنى من الضروريات، وبعضها تصونه القوانين، وبعضها تدعو إليه الأخلاق والأعراف، فقد امتد مجال حقوق الإنسان إلى كثير مما حضت عليه مكارم الدين، فعلى سبيل المثال، نذكر حرمة الخصوصية الشخصية وإسعاف ذوي الاحتياج.

ففي الحديث: “من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه”، وفي حديث آخر: “ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد من يغنيه ويستحيي أن يسأل الناس ولا يفطن له فيُتصدقَ عليه”.

ويدخل في صيانة العرض ما جاء في ذم التسول ومدح الشغل وكل أنواع التعامل بالمعروف، ويدخل فيه النهي عن تحقير الإنسان وإهانته وعدم الاكتراث إلى الاحتياجات الدنيا المتصلة بكرامته، ولا يخفى ما نجم عن التفريط في صيانة الأعراض من فتن كبرى وويلات عظيمة.

  • حماية الدين بتيسير أسباب المعاش:

يدخل تيسير أسباب المعيشة في حماية المال كما ورد ضمن كليات الشرع، وتشمل هذه الحماية كل نتائج العمل أجورا وإنتاجا وتملكات، فهو الاقتصاد بمفهوم العصر، على أساس أن غايته النهائية ما هي في الحقيقة سوى تيسير أسباب المعاش، وهي من صميم حماية الدين لسبب واضح، وهو أن شدة الاحتياج قد تؤدي إلى الفتنة، وأن الفقر يكاد يكون كفرا، ومن أجل هذا التيسير نظم الرسول الأكرم الأسواق ومدح الاحتراف وعمل اليد وشجع على الاستيراد، والسماحةِ في البيع والشراء، ولعن الغش والاحتكار، وكان رائدا في الشراكة الاقتصادية عندما أدخل المهاجرين للعمل في مزارع الأنصار.

  • حماية الدين بآلية حسن التساكن مع العالم:

أصل هذه الآلية ما أمر به القرآن الكريم من التعارف والتعاون، وما أقره من حرمة القيم المشتركة بين الناس كافة، وقد بدأت هذه الآليةُ في الإسلام بالوفود والرسائل التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رؤساء الدول المجاورة، وتتصرف هذه الآلية اليوم بالعلاقات الخارجية المفضية إلى النفع والسلام. فلما كان بقاء الأمة أولوية تتوقف على الحكمة والكياسة والعفو بل وحتى على كظم الغيظ في بعض الأحيان، فإن حمايتها من الكيد والعدوان الخارجيين من مسؤولية الإمام الأعظم، لاسيما في هذا العالم الذي لا يخلو من مغامرين. فالدين مسؤولية فردية ومسؤولية جماعية ومسؤولية كونية. ويتبين اليوم على الصعيد الكوني كيف يمكن أن يحسن قوم أو يسيء قوم آخرون بتصرفاتهم إلى الدين كهوية جماعية.[2]

أدوار المؤسسات الرسمية في حماية الدين

وهي المؤسسات الخاضعة للنظام القائم في البلاد، بحيث تكون بإشراف وإدارة الحكومة ومنها علي سبيل المثال لاالحصر :

وزاراة الأوقاف:

حيث هي المفوضة لكافة الشئون الإسلامية للبلاد، وكذلك تطبيق المبادئ الأساسية لها ورفع الشعارات الاسلامية ومظاهرها، ومن المفروض أن تقوم بدور فعال من إشراف وإدارة وإنفاق في مجال حماية الدين، وذلك بتشجيع كل ما يخدم للإسلام وردع كل ما يخالفة من قول او فعل بمافي ذلك اصدرا الفتاوى الشرعية وتكوين لجان لها، وكذلك القيام برعاية المساجد والعلماء وتشجيع الكليات أوالمعاهد الدينية، وكل مؤسسة تعمل على خدمة الإسلام والمسلمين في إطار الدولة وإدارتها ونحو ذلك.

وزارة الإعلام:

حيث تقوم بتوعية المجتمع الإسلامي بما يتفق مع احتياجاتهم الدنيوية والاخروية. ولمواجهة الغلو والتطرف القائم في بلادنا فانه من المفروض أن تؤدي المؤسسات الاعلامية للحكومة مايلي:

المنحى الأول: منهج الوقاية:

وهو مبدأ يعتمده غالب العقلاء ويقر به أصحاب الفكر، فالتنبه للمخاطر والوقاية منها خير من علاجها بعد وقوعها، وذلك أن الوقاية منهج منع، والعلاج قد يكون تسكينا، أو علاجا جزئيا، أو علاجا كليا، لكن تبقى آثاره غالبا، مثل علاج البدن.

ومن أخطر تلك الأمراض الفكرية التي ابتليت بها مجتمعاتنا داء التطرف والغلو والإرهاب، إذ آثاره خطيرة، وعواقبه وخيمة تتعلق بحياة الأفراد ومصير المجتمعات، ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى الاعتناء بالوقاية من داء التطرف والإرهاب بدلا من الدخول في مراحل العلاج التي لا يعرف مصيرها على وجه التحديد، خاصة أنه داء عضال، لا يعالج منه صاحبه بسهولة ويسر.

طرق الوقاية من التطرف والغلو:

1.العمل على نشر الفكري الوسطي، واعتماده منهج حياة، والسعي إلى أن تكون الوسطية ثقافة عامة وليست ثقافة متخصصة.

2.ترسيخ واستنهاض مشاعر الولاء والانتماء الوطني والترابط بين جميع فئات وشرائح المجتمع.

3. توعية المجتمع بأضرار وعواقب التعصب المذهبي وأخذ العبرة من المجتمعات التي تعاني من هذه الآفات الفكرية التي تفتك بنسيجها الوطني.

4. تقبل الطرف الآخر واحترام رأيه بغض النظر عن مذهبه وجنسه وفكره.

5. توجيه طاقات الشباب واستثمارها لصالح الوطن والحرص على مشاركتهم لرصد رؤاهم تجاه حب الوطن.

6. إحياء العمل التطوعي لدى الأفراد لربط الجهود الحكومية والأهلية لخدمة البلد.

7. تدريب وتأهيل العاملين بالمؤسسات الذين لهم اتصال بالجمهور لتأصيل مفاهيم المواطنة الصالحة لديهم ونبذ التعصب من خلال برامج تدريبية متكاملة.

8. فتح باب الأنشطة الرياضية والفكرية والثقافية للشباب.

9. التواصل مع شباب الجامعات.

10. إقامة الندوات والمؤتمرات والمحاضرات.

11. الالتزام بالإسلام كمنهج حياة ، وتقديم نموذج حقيقي للتدين.

12. سعي المؤسسات إلى إرشاد المجتمع لتحكيم شرع الله.

13. إيجاد أجواء الحرية التي تسمح بالتنفيس عن الأفكار والمشاعر، واحترام المعارضة الهادفة.[3]

المنحى الثاني: منهج العلاج:

وهذا المنحى يلجأ إلى العمل مع الذين وقعوا في فريسة التطرف والغلو، والسعي لعلاج الداء الذي قد حل بعقولهم، وهو يحتاج إلى صبر ومثابرة، ونفس طويل، وحكمة وإخلاص وتجرد.

سبل علاج التطرف والغلو

ومن أهم سبل علاج التطرف والغلو ما يلي:

1. إحتواء الشباب المتطرف، والتقرب منهم والتعرف على دوافع فكرهم، وإحساسهم بأنه جزء من نسيج المجتمع، وإن اختلفت الأفكار.

2.  الاعتماد على الحوار كوسيلة للتغيير، فالمعالجة الأمنية لا تجدي نفعا، فلم يكن السوط يوما وسيلة للإقناع وتغيير القناعات، بل تقابل الكلمة بالكلمة، والفكر بالفكر، والحجة بالحجة، والدليل بالدليل.

3. إحسان الظن بالغلاة والمتطرفين، فهم يرون أن المجتمع بكل أطيافه يبغضهم وإن كانوا يسعون إلى الإصلاح، وإن أخطؤوا الطريق، فلا يشكك في نواياهم، بل يسلم لهم بصلاح النية، مما يحدث تقاربا بينهم وبين المحاورين لهم، ويفتح آفاقا للحوار والسماع، فإن استمتعوا وفتحوا آذانهم وقلوبهم كان هذا أدعى لإقناعهم.

4. المناقشات المغلقة: بحيث تكون هناك جلسات مغلقة بعيدا عن أضواء الإعلام وزخم الصحافة، بل تكون هناك جلسات خاصة بينهم وبين عدد من العلماء، أما الظهور الإعلامي فيفسد القصد، ويضلل الطريق، إذ المقصود هو المناقشة الهادئة حتى لا نثير أهواء النفس من المتطرفين والعلماء، في التفكير في صورتهم أمام المجتمع، وإن كانت صدقة السر خير من صدقة العلانية، فإن مناقشة الغلاة في السر أفضل من مناقشتهم في العلانية.

5. التعاون مع العلماء الثقات في رد الشبهات: وهو جهد علمي يقوم على التأصيل وبحث بيان مواطن الخلل في الاستدلال، سواء أتعلق هذا بالفهم الخاطئ، أو إيراد الأدلة في غير موطنها، أو تحميلها ما لا تحتمل، أو إخراجها عن سياقها، أو عدم اعتبار السياقات المحيطة بها، أو غيرها من مواطن الخلل التي تؤدي إلى سوء الفهم والتصرف.

6. تجنب التطرف في الموقف من المتطرفين: ذلك أن كثيرا من الجهات التي تحمل ملف التطرف تقابل التطرف بالتطرف، والغلو بغلو أشد، مما يعني أننا أضحينا أمام فريقين كلاهما مر، وإن كان المتطرفون حسني النية مع خطئهم، فإن استعمال التطرف من جانب المعالجين أشد خطرا، ولا يرد أحدا عن فكره، بل يزيد من شبهات الظلم والطغيان والجبروت والطاغوت وغيرها مما يعلق في أذهان المتطرفين من شبهات.

7. الاعتماد على منهج القرآن في الحوار مع المخالف والمدعو، فقد أرشد القرآن إلى قواعد هامة في هذا المجال، من ذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125.

كما أعطى القرآن لنا نموذجا رائعا في محاورة المخالف ولو كان كافرا، كما في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، وآياتها:  (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا).
وهو نموذج رائع يقدم منهج الحوار مع المخالف بأرقى لغة يغلفها الحرص على بيان الحق ودفع الشبهات بقلب صادق ونفس زكية لا ترجو إلا مرضاة الله تعالى وتصحيح المسار الخاطئ. [4]

وزارة التربية والتعليم:

حيث من المفترض أن  تركز وتضع بعين الاعتبار عند صياغة المناهج المحاور التالية:

قيم العدالة والمساواة وتكريس مفهوم المواطنة ونبذ مظاهر التطرف والعنف والنزاعات المسيئة للوحدة الوطنية واحترام الرأي والرأي الآخر والحوار والحفاظ على الأمن ونبذ العنف وإحترام التنوع والتعددية والتسامح وإشاعة ثقافة التسامح والولاء والانتماء الوطني والوسطية والاعتدال لمواجهة الفكر المتطرف والحقوق المدنية والمسؤولية الجماعية والاختلاف وأسسه والحوار واحترام التنوع، وقيم المصالحة والتفاوض وتصحيح المنفاهيم الاسلامية الخاطئة في المجتمع، الي جانب كل مايتطلبه المنهج من مواكبة الركب التعليمي العالمي وتطبيق المعايير اللازمة لذلك.

التوصيات والمقترحات للحكومة الصومالية:

  1. تفعيل المؤسسة الإعلامية الرسمية أدوارها تجاه توعية المجتمع وتحذيرها من خطر التطرف والغلو بشتي الوسائل المتاحة لديها.
  2. تعديل واصلاح المنهج التعليمي وجعله ملائما لواقع المجتمع الصومالي محذرا من الآفات التي تعاني منها البلاد.
  3. التبني بمنهج الوسطية كمنهج حياة ضمن خطط الإستراتيجية للبلاد وتفعيل دور العلماء وتشجيعهم ماديا ومعنويا علي اداء واجبهم الدعوي والتوجيهي نحو المجتمع الصومالي.
  4. إعداد بحوث ودراسات وندوات علمية في هذا الشأن ذات طابع اجتماعي تربوي، سيتم توزيعها على جهات الاختصاص وجمعيات النفع العام والمؤسسات الحكومية والهيئات المهتمة بشؤون الأسرة والشباب والتوجيه المجتمعي للاستفادة منها في حماية الشباب من التطرف والانحراف، ونشر فكر الوسطية و معالجة الظواهر السلبية في المجتمع كالرشوة والواسطة والنمط الاستهلاكي.
  5. تأهيل روحي وديني للمنشقين من المتطرفين وتدريبهم علي الفكر الوسطي، وذلك من خلال البرامج والأنشطة العلمية، والزيارات الميدانية والعمل الدعوي، وغير ذلك من الأنشطة والأساليب الدعوية.

الهوامش والتوثيق:

. http://nehroes.blogspot.com/2011/12/blog-post_12.html1

2.http://www.habous.gov.ma/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1/5280-%D8%AD%D9%80%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A2%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9.html

http://www.assakina.com/mohadrat/24626.html .3

http://alrai.com/article/754444.html .4

 

قدمت الورقة في ندوة حول الموضوع ذاته نظمها مركز الإرشاد للحوار الفكري وعقدت في فندق SYL بالعاصمة مقديشو يوم 1 مارس 2017م.